صفي الرحمان مباركفوري
236
الرحيق المختوم
أقبل أبو دجانة معلما بعصابته الحمراء ، آخذا بسيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مصمما على أداء حقه ، فقاتل حتى أمعن في الناس ، وجعل لا يلقى مشركا إلا قتله ، وأخذ يهد صفوف المشركين هدّا . قال الزبير بن العوام : وجدت في نفسي حين سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم السيف فمنعنيه ، وأعطاه أبا دجانة ، وقلت أي في نفسي : أنا ابن صفية عمته ، ومن قريش ، وقد قمت إليه ، فسألته إياه قبله فاتاه إياه وتركني ، واللّه لأنظرن ما يصنع ؟ فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء ، فعصب بها رأسه ، فقالت الأنصار : أخرج أبو دجانة عصابة الموت ، فخرج وهو يقول : أنا الذي عاهدني خليلي * ونحن بالسفح لدى النخيل ألّا أقوم الدهر في الكيول « 1 » * أضرب بسيف اللّه والرسول فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله ، كان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلا زفف عليه ، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه ، فدعوت اللّه أن يجمع بينهما فالتقيا ، فاختلفا ضربتين ، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته ، فعضت بسيفه ، فضربه أبو دجانة فقتله « 2 » . ثم أمعن أبو دجانة في هدّ الصفوف ، حتى خلص إلى قائدة نسوة قريش ، وهو لا يدري بها . قال أبو دجانة : رأيت إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا فصمدت له ، فلما حملت عليه السيف ولول ، فإذا امرأة ، فأكرمت سيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن أضرب به امرأة . وكانت تلك المرأة هي هند بنت عتبة . قال الزبير بن العوام رأيت أبا دجانة قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ، ثم عدل السيف عنها ، فقلت : اللّه ورسوله أعلم « 3 » . وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتال الليوث المهتاجة ، فقد اندفع إلى قلب جيش المشركين يغامر مغامرة منقطعة النظير ، ينكشف عنه الأبطال كما تتطاير الأوراق أمام الرياح الهوجاء : فبالإضافة إلى مشاركته الفعالة في إبادة حاملي لواء المشركين ، فعل الأفاعيل بأبطالهم الآخرين حتى صرع وهو في مقدمة المبرزين ، ولكن لا كما تصرع الأبطال وجها لوجه في ميدان القتال ، وإنما كما يغتال الكرام في حلك الظلام .
--> ( 1 ) الكيول : آخر الصفوف . يعني أنه لا يقاتل في مؤخرة الصفوف . بل يظل أبدا في المقدمة . ( 2 ) ابن هشام 2 / 68 ، 69 . ( 3 ) نفس المصدر 2 / 69 .